جلس القرفصاء في الزاوية , وضع رأسه بين ركبتيه , وكأن طفولته تجدد عهدها , رغم أنه ما زالَ مراهقاً , قد يعاب المراهق إذا أحنى رأسه هكذا , لكنَّه أرخى لوجيب قلبه عِناناً طالما عشق الانفلات فقيدته التقاليد المقيتة .
بكى بكاء الثكالى , حتى حسبه المار بهم فجوعاً بحبيب لا يعوض عنه بمال الأرض وتبرها .
وبكى يوسف إلى أن ملَّ البكاءُ من بكائه ثم وقف فجأة , وكأنَّ ثورةً خامدةً تحتَ رماد القهر قد انفجرت من بين أضلاعه الحانية , قال لنفسه :
- نعم سأعلن له موقفي ... سأعلنه ولن أخاف ...
مشى على قدميه , ومشيته أقرب ما تكون لمشية العذارى حينما تمشي على استحياء , لا تشبه وقع أقدام الرجال , منكسِراً رغم كلِّ الثورة التي في صدرِه .
وصل لغرفة محبوبه , طرق الباب , سمع صوته , تقدم منه , جثا على ركبتيه , ومحبُوبه ينظر للسقف لا مبالياً , فيه من شيمة الملوك ما لا يليق بمقامات المحبين .
وكأنه يأنف من النظر إليه !!
لكن يوسف لم يعر بالاً لذلك فكلُّ همِّه أن يسأله سؤاله الذي يضج بين ضلوعه , التقط أنفاسه ربط على قلبه قليلاً , وزفر تلك الزفرة التي تتزاحم فيها الآهات كتزاحم الجياع على حمولة من زاد .
قال له بصوت مختنق بعبرةٍ لا كِبريَاء فِيها :
- لم تفعل بي ذلك ؟
- ألست أنا من تقاسم معك قرص الفقر في أيام القحط ؟
- ألم نتشارك معاناة الحرمان في تلك المدرسة ؟
- ألم يؤدبني الدهر كما أدَّبك بعصيِّه القاسية اللئيمة ؟
- ألم تنهشنا ذئاب الزمان بنفس الناب , وتعضنا كلابه بذات الأسنان المسمومة ؟
- ألم أفِ لك بكل ما وعدتك من حسن الصحبة وطيب العشرة ؟
- ألم أوافقك في كل الكلام حتى ما لم أكن مقتنعاً به ؟
- ألم أجاملك بكل المشاعر التي أظهرتها لي على شحها وندرتها ؟
- ألم أدرء عنك كلام الوشاة ؟
- ألم أكن معادياً لكل من قال فيك ظلماً ؟
- ألم أحتمل تطرف رأيك وأداريك محبَّةً في طول صحبتك ؟
- ألم تشفع لك دموعي , ألم يرأف قلبك لقلة هجوعي ؟
- ألم يرحم قلبك ذلي عند ركبتيك ؟
- ألم يرف لك جفن من عذاب الضمير ؟
- ألم يحرِّك فيك عويلي بقايا حبٍّ أو عاطفة ؟
- ألا أستحق منك نظرة استئناف , ووداً مستأنفاً ؟
- ألا استحق محاكمةً عادلةً ؟
- ألا يحقُّ لي أن أبرر لك جريمتي ؟
- ألا أستأهل منك ولو رداً واحداً قبْل أن تَعمُرَ بيني وبينك سدوداً لا يهدمها الدهر ولا يفنيها الزمان ؟
- ألن تنطق بحرفٍ واحدٍ قبل تلف روحٍ نذرت نفسها لبسمتك بدون طمع في مقابل ؟
صمت الواقف وقفة الملوك
نظر إلى يوسف بطرف عينه , زفر وشهق وأدار بعينه في زوايا الغرفة المعتمة ثم
قال له :
- ههههههههههههههههه
===============================
كتبها محمود كريم في 06:34 صباحاً ::
لربما ضحك
طمعا بذل اكبر
او سخرية بموقف خاطئ
لربما اراد ان يتقدم نحوه يوسف بقلب فولاذي وارادة صلبة وسخط عارم
لو فعل ذلك لما كان قد ضحك
ويل لضحكة تعتاش على ذل الآخر وانكساره
احييك يا ابن بلدي
واتمنى ان تكون بألف خير
مع الاحداث اللبنانية الأخيرة
احترامي
اختي العزيزة ريما الشيخ ابنة لبنان العزيز المنتصر بمقاومته
اشكرك بالغ الشكر على مروركم الطيب , ووقفتكم عند تاويل الضحكة , ونعم ما قلت :
ويل لضحكة تعتاش على ذل الآخر وانكساره
بوركتي
كوني بخير دوما
تحياتي
السلام عليكم
شكرا لك على هذا السرد الجميل
الذي جعلنا نرى الذل بام عينه.
عباس جمول-لبنان
أخي عباس جمول يبدو لي أنك من محبي قراءة القصص القصيرة , وهذا ما يسعدني حقا
شكرا لمرورك الرائع
تجياتي
سـلامٌ عليكم ورحمة الله
سردُكَ جميـل ، ومشوّق .. و غامِض ، وهذا مـا يجعلُ القارئ يُبحرُ في تعدّديّة احتِمالات وفرضيّات
موفّـقٌ أيّها الكريم :)
بوركتم أختي العزيزة ربما , بالغموض أترك للقارىء الكريم حرية اختيار النهاية , وحرية اتخاذ الموقف , ولا أدعي الحيادية أبدا , بل أوظف كأي كاتب ما أريد , ولكني أترك له حرية القرار في النهاية ...
تقبلوا فائق التحايا
و كم هو مُر.. لا اتمناه لعدو..
في خاطري مرت قصتك واضحة جليّة..
لعلّ القصص تتشابه
اخي ابوعلي.. سلمت:)
تقوى
بارك الله بكم أختي تقوى وأهلا وسهلا بكم , نعم هي من قصص الحياة التي طالما تتكرر ...
أعاننا الله جميعا
تقبلوا تحياتي
كم تحمل من مشاعر الانسانية المعذبة المظلومة
ربما لحن الأمل يحمل في طياته شيء من السعادة او الفشل
قيثارة مشاعرك اسم على مسمى
روحك همس ينبض في ارجاء الضلوع
تحياتي
ولكم منا فائق التحيا ايها الوعد والعهد ...
وكلنا على العهد والوعد إن شاء الله
شرفني مروركم وتعليقكم
وشهادتكم نعتز بها
تحياتي
الاسم: محمود كريم
